Muhammad.com collection in 109 languages

  • Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 126

يقال له ، وفلان يكتب كما يريد .
و للأول على الثاني فضل ، و بينهما شأو بعيد .
فلم يزل يقرعهم صلى الله عليه وآله وسلم أشد التقريع ، ويوبخهم غاية التوبيخ ، ويسفه أحلامهم ، ويحط أعلامهم ، ويشتت نظامهم ، ويذم آلهتهم وآباءهم ، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضتيه ، محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتشغيب و التكذيب ، والإغراء بالإفتراء ، وقولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدّثر: 24) ، و (سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر: 2) ، و (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) (الفرقان: 4) ، و (أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (الأنعام: 25) ، والمباهتةوالرضا بالدنية ، كقولهم: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: 88) .
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت5) . (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت: 26) والادعاء مع العجز بقولهم: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (الأنفال: 31)
وقد قال لهم الله: (وَلَن تَفْعَلُواْ)(البقرة: 24) ، فما فعلوا ولا قدروا . ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره جميعهم ، وسلبهم الله ما ألفوه ، من فصيح كلامهم ، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ، ولا جنس بلاغتهم ، بل ولوا عنه مدبرين ، وأتوا مذعنين من بين مهتد و بين مفتون .
ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90) . قال: والله ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوةً ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما يقول هذا بشر.
- وذكر أبو عبيد أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94) فسجد ، و قال: سجدت لفصاحته .
و سمع آخر رجلاً يقرأ: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً)(يوسف: 80)فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام .
- وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية ، فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك ! فقالت: أو يعد هذا فصاحةً بعد قول الله تعالى : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 7) ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين ، وخبرين ، و بشارتين .
فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته ، غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين .
وكون القرآن من قِبَل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه أتى به معلوم ضرورة ، وكونه صلى الله عليه وآله وسلم متحدياً به معلوم ضرورة ، وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة ، وكونه في فصاحته خارقاً للعادة معلوم ضرورة للعالِمين بالفصاحة ووجوه البلاغة ، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المفكرين من أهلها عن معارضتهواعتراف المفسرين بإعجاز بلاغته .
وأنت إذا تأملت قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179)