-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 190
فأي إحسان أجل قدراً ، وأعظم خطراً من إحسانه إلى جميع المؤمنين ؟ وأي إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين ، إذ كان ذريعتهم إلى الهداية ، ومنقذهم من العماية ، وداعيهم إلى الفلاح ، ووسيلتهم إلى ربهم ، وشفيعهم والمتكلم عنهم ، والشاهد لهم ، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد
فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وآله وسلم مستوجب للمحبة الحقيقية شرعاً بما قدمناه من صحيح الآثار ، وعادة وجبلةً بما ذكرناه آنفاً ، لأفاضته الإحسان ، وعمومه الإجمال ، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرةً أو مرتين معروفأً ، أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ، ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب .
وإذا كان يُحَبُّ بالطبع ملكٌ لحسن سيرته ، أو حاكمٌ لما يؤثر من قوام طريقته ، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب ، وأولى بالميل .
الفصل السادس
في وجوب مناصحته صلى الله عليه وآله وسلم
قال الله تعالى : (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 91)
قال أهل التفسير: إذا نصحوا لله ورسوله: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية .
*حدثنا القاضي الفقيه أبو الوليد بقراءتي عليه ، حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا يوسف بن عبد الله ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر التمار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد ، عن تميم الداري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:إن الدين النصيحة . إن الدين النصيحة . إن الدين النصيحة . قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله و لكتابهو لرسوله ، و أئمة المسلمين و عامتهم .
- قال أئمتنا: النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة .
قال الإمام سليمان البستي: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها . ومعناها في اللغة الإخلاص ، من قولهم: نصحت العسل ، إذا خلصته من شمعه .
وقال أبو بكر بن أبي إسحاق الخفاف: النصح فعل الشيء الذي به الصلاح والملاءمة ، مأخوذ من - النصاح ، وهو الخيط الذي يخاط به الثوب .
- وقال أبو إسحاق الزجاج نحوه .
فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية ، ووصفه بما هو أهله ، وتنزيهه عما لا يجوز عليه ، والرغبة في محابه ، والبعد من مساخطه ، والإخلاص في عبادته .
والنصيحة لكتابه الإيمان به ، والعمل بما فيه ، وتحسين تلاوته ، والتخشع عنده ، والتعظيم له ، وتفهمه والتفقه فيه ، والذب عنه من تأويل الغالين ، وطعن الملحدين .
والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته ، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه ، قاله أبو سليمان .
وقال أبو بكر: ومؤازرته ونصرته وحمايته حياً وميتاً ، وإحياء سنته بالطلب ، والذب