-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 23
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل 3فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة و المبرة
والعفو قبل العتاب والتثبت من الوقوع فيما هو محل العتاب
في ثناء الله تعالى عليه و إظهاره عظيم قدره لديه
من تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قولاً وفعلاً
من ذلك قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة: 43)
- قال أبو محمد مكي: قيل هذا إفتتاح كلام بمنزلة: أصلحك الله ، و أعزك الله .
- وقال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب .
- وحكى السمرقندي عن بعضهم أن معناه: عافاك الله يا سليم القلب: لم أذنت لهم ؟ .
- قال: ولو بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ، لم أذنت لهم لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام ، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب . و في هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب .
ومن إكرامه إياه و بره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب . ..
- قال القاضي أبو الفضل: يجب على المسلم المجاهد نفسه ، الرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بأدب القرآن في قوله و فعله ، و معاطاته و محاوراته ، فهو عنصر المعارف الحقيقية ، و روضة الأداب الدينة و الدنيوية ، و ليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب ، المنعم على الكل ، المستغني عن الجميع ، و يستثر ما فيها من الفوائد ، و كيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب ، و أنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب .
- و قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الإسراء: 74)
قال بعض المتكلمين: عاتب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد الزلات ، و عاتب نبياً صلى الله عليه وآله وسلم قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتهاءً و محافظة لشرائط المحبة ، و هذه غاية العناية .
ثم انظر كيف بدأ بثباته و سلامته قبل ذكر ما عتبه عليه و خيف أن يركن إليه ، ففي أثناء عتبه براءته ، و في طي تخويفه تأمينه و كرامته .
إكرام الله تعالى نبيه بتصديقه وتسليته إياه وبره به صلى الله عليه وآله وسلم
- ومثله قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) - الأنعام: 33) .
- قال علي رضي الله عنه: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنا لا نكذبك و لكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله تعالى : (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) . (صححه الحاكم والذهبي على شرطهما)