-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 50
* الضرب الثاني: ما يتفق على المدح بكثرته
والضرب الثاني ما يتفق المدح بكثرته ، والفخر بوفوره ، كالنكاح والجاه: أما النكاح فمتفق فيه شرعاًوعادة ، فإنه دليل الكمال ، وصحة الذكورية ، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به سيرة ماضية .
وأما في الشرع فسنة مأثورة ، وقد قال ابن عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء يشير إليه صلى الله عليه وآله وسلم
- وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: تناكحوا تناسلوا ، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة .
ونهى عن التبتل مع ما فيه من قمع الشهوة ، وغض البصر.
- قال سهل بن عبد الله: قد حببن إلى سيد المرسلين ، فكيف يزهد فيهن ؟ و نحوه لابن عيينه .
- وقد كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات والسراري ، كثيري النكاح .
- وحكي في ذلك على علي ، و الحسن ، و ابن عمر ، و غيرهم غير شيء . وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزباً . فإن قلت: كيف يكون النكاح وكثرته من الفضائل ، وهذا يحيى بن زكريا عليه السلام قد أثنى الله تعالى عليه أنه كان حصوراً ، فكيف يثني الله بالعجز عما تعده فضيلة ؟وهذا عيسى عليه السلام تبتل من النساء ، و لو كان كما قررته لنكح ؟
فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوباً ، أو لا ذكر له ، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين و نقاد العلماء ، و قالوا: هذه نقيصة و عيب ، و لا تليق بالأنبياء .
و إنما معناه أنه معصوم من الذنوب ، أي لا يأتيها ، كأنه حصر عنها . و قيل: مانعاً نفسه من الشهوات . و قيل: ليست له شهرة في النساء .
فقد بان ذلك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، و إنما الفضل في كونها موجودة ، ثم قمعها ، إما بمجاهدة ، كعيسى عليه السلام ، أو بكفاية من الله تعالى ، كيحيى عليه السلام فضيلة زائدة لكونها شاغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى الدنيا . ثم هي في حق من أُقدر عليها و ملكها و قام بالواجب فيهاولم تشغله عن ربه درجة عالياً ، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن ، و قيامه بحقوقهن ، و اكتسابه لهن ، و هدايته إياهن ، بل صرح أنها ليست من حظوظدنياه هو ، و إن كانت من حظوظ دنيا غيره ، فقال: حبب إلي من دنياكم . فدل على أن حبه لما ذكر من النساء و الطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره ، و استعماله لذلك ليس لدنياه ، بل لآخرته ، للفوائد التي ذكرناها في التزويج ، و للقاءالملائكة في الطيب ، ولأنه أيضاً مما يحض على الجماع ، و يعين عليه ، و يحرك أسبابه .
- وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره ، وقمع شهوته ، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدته جبروت مولاه ومناجاته ، ولذلك ميز بين الحبين ، وفصل بين الحالين ، فقال: وجعلت قرة عيني في الصلاة، فقد ساوى يحيى و عيسى في كفاية