-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 54
وقد ذم الشرع ذلك ، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود ، ووفور الحال .
- وكذلك التباهي بجودة المسكن ، و سعة المنزل ، و تكثير آلاته و خدمه و مركوباته .
ومن ملك الأرض ، وجبي إليه ما فيها ، فترك ذلك زهداً وتنزهاً ، فهو حائز لفضيلة المال ، ومالك للفخر بهذه الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في الفخر ، ومُعرق في المدح بإضرابه عنها ، و زهده في فانيها ، وبذلها في مظانها .
الفصل الثامن
في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدةوالآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها ، و تعظيم المتصف بالخلق الواحد منها ، فضلاً عما فوقه و أثنىالشرع على جميعها ، و أمر بها ، ووَعَد السعادة الدائمة للمتخلق بها ، ووَصَف بعضها بأنه من أجزاء النبوة ، و هي المسماة بحسن الخلق ، و هو الإعتدال في قوى النفس وأوصافها ، والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها ، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الإنتهاء في كمالها ، والإعتدال إلى غايتها ، حتى أثنى الله بذلك عليه ، فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)
- قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن . يرضى برضاه ، و يسخط بسخطه .
- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
- قال انس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خلقاً .
- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله .
- وكان فيما ذكره المحقوق مجبولاً عليها في أصل خلقته وأول فطرته ، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي ، و خصوصية ربانيّة .
وهكذا لسائر الأنبياء ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال عيسىوموسى ، ويحيى ، وسليمان ، وغيرهم عليهم السلام .
بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة ، و أودعوا العلم و الحكمة في الفطرة ، قال الله تعالى عن يحيى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم: 12)
- قال المفسرون: أعطي يحيى العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه .
- وقال معمر: كان يحيى ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان: لم لا تلعب ؟ فقال: أللعب خلقت ! ؟.
و قيل في قوله تعالى: (مصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ) (آل عمران: 39): صدق يحيى بعيسى ، و هو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله و روحه .
- وقيل: صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم: إنى أجد ما في بطني يسجد لما في بطنكتحية له . و قد نص الله تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) (مريم: 24) على قراءة من قرأ من تحتها و على قول من قال: إن المنادي عيسى .
- ونص على كلامه في مهده ' فقال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (مريم: 30) .