-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 57
أما أصل فروعها ، و عنصر ينابيعها ، و نقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة ، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي ، وجودة الفطنة ، والإصابة ، وصدق الظن ، والنظر للعواقب و مصالح النفس ، ومجاهدة الشهوة ، وحسن السياسة والتدبير ، واقتناء الفضائل ، وتجنب الرذائل .
وقد أشرنا إلى مكانه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبلوغه منه ومن العلم الغاية التي لم يبلغها بشر سواه ، و إذ جلالة محله من ذلك ، و مما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله ، واطراد سيره ، وطالع جوامع كلامه .وحسن شمائله ، وبدائع سيره ، وحكم حديثه ، وعلمه بما في التوراة و الإنجيل والكتب المنزلة ، وحكم الحكماء ، و سير الأمم الخالية ، و أيامها وضرب الأمثال ، و سياسات الأنام ، و تقرير الشرائع ، وتأصيل الأداب النفسية ، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فيها قدوه ، وإشاراته حجة ، كالعبارة ، و الطب ، و الحساب ، و الفرائض ، و النسب ، وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن شاء الله ، دون تعليم ولا مدارس ، ولا مطالعة كتب من تقدم ، ولا الجلوس إلى علمائهم ، بل نبي أمي لم يُعرف بشيءمن ذلك ، حتى شرح الله صدره ، وأبان أمره ، وعلمه ، وأقرأه ، يعلم ذلك بالمطالعة و البحث عن حاله ضرورة ، وبالبرهان القاطع على نبوته نظراً ، فلا نطول بسرد الأقاصيص ، وآحاد القضايا ، إذ مجموعها مالا يأخذه حصر ، ولا يحيط به حفظ جمع ، و بحسب عقله كانت معارفه صلى الله عليه وآله وسلم إلى سائر ماعلمه الله تعالى ، وأطلعه عليه من علم ما يكون و ما كان ، وعجائب قدرته ، وعظيم ملكوته ، قال تعالى (وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء113)
حارت العقول في تقدير فضله عليه ، و خرست الألسن دون و صف يحيط بذلك أو ينهى إليه .
الفصل العاشر
في الفرق بين الحلم و الإحتمال ، و العفو مع القدرة ، و الصبر على ما يكره
وأما الحلم والاحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ما يكره ، وبين هذه الألقاب فرق ، فإن الحلم حالة توقر و ثبات عند الأسباب المحركات . والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات . ومثلها الصبر ، ومعانيها متقاربة ...وأما العفو فهو ترك المؤاخذة .
و هذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)
- روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها ، فقال له: أسأل العالمثم ذهب فأتاه ، فقال: يامحمد . إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ، و تعطي من حرمك ، و تعفو عمن ظلمك .
قال له: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور .
و قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: 35)
وقال:(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(النور: 22) .
- وقال: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ