Muhammad.com collection in 109 languages

  • Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 130

ومن تفنن في علوم البلاغة ، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه .
- وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه ، فأكثرهم يقول: إنه ما جمع في قوة جزالته ، ونصاعة ألفاظه ، وحسن نظمه ، وإيجازه ، وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر ، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا ، وتسبيح الحصى .
وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون ، فمنعَهم اللهُ هذا ، و عجَّزهم عنه .
- وقال به جماعة من أصحابه .
- وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحديهم بأن يأتوا بمثلهقاطع ، وهو أبلغ في التعجيز ، وأحرى بالتقريع ، والإحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة .
وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء ، والقتل ، وتجرعوا كاسات الصَّغار والذل ، وكانوا من شموخ الآنف ، وإباية الضيم ، بحيث لا يؤثرون ذلك اختياراً ، ولا يرضونه إلا اضطراراً ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم ، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم ، وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما جلوا في ذلك خبيئةً من بنات شفاههم ، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم ، مع طول الأمد ، و كثرة العدد ، و تظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، فهذان نوعان من إعجازه .

الفصل الخامس
في إعجاز القرآن الوجه الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات
- الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ولم يقع ، فوجد ، كما وردوعلى الوجه الذي أخبر به ، كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح27)
وقوله تعالى: (وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: 3) .
وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33)
وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55)
- وقوله تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)– (النصر)
فكان جميع هذا ، كما قال ...فغلبت الروم فارس في بضع سنين ، ودخل الناس في الإسلام أفواجاً ، فما مات صلى الله عليه وآله وسلم وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام .واستخلف الله المؤمنين في الأرض ، ومكَّن فيها دينهم ، و ملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب