-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 171
فأبطل الكهانة التي تصدق مرةً وتكذيب عشراً ، ثم اجتثها من أصلها برجم الشهب ، ورصد النجوم .
وجاء من الأخبار عن القرون السالفة ، وأنباء الأنبياء ، والأمم البائدة ، والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها و بينا المعجز فيها .
ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخر التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتةً إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي ، لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه ، وتأمل وجوه إعجازه .
إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل ، فلا يمر عصر ولا زمن إلا يظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر ، فيتجدد الإيمان ، ويتظاهر البرهان ، وليس الخبر كالعيان كما قيل .
وللمشاهدة زيادة في اليقين ، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين ، وإن كان كل عندها حقاً .
وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم ، وعُدمت بعدم ذواتها ، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لا تبيد ولا تنقطع ، وآياته تتجدد ولا تضمحل ، ولهذا أشار صلى الله عليه وآله وسلم بقوله فيما حدثنا القاضي الشهيد أبو علي ، حدثنا القاضي أبو الوليد ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو محمد ، وأبو إسحاق ، وأبو الهيثم ، قالوا: حدثنا الفربري ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا الليث ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة.هذا معنى الحديث عن بعضهم ، وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله .
وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحياً وكلاماً لا يمكن التخييل فيه ، ولا التحيل عليه ، ولا التشيبه ، فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم وعصيهموشِبه هذا مما يخيله الساحر ، أو يتحيل فيه .
والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر ، ولا التخييل فيه عمل ، فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات ، كما لا يتم لشاعر ولا لخطيب أن يكون شاعراً أو خطيباً بضرب من الحيل والتمويه .
والتأويل الأول أخلص وأرضى .وفي هذا التأويل الثاني ما يغمض عليه الجفن ، ويغضى .
ووجه ثالث على مذهب من قال بالصَّرفة ، وأن المعارضة كانت في مقدور البشر ، فصرفوا عنها ، أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جنس مقدورهم ، ولكن لم يكن ذلك قبل ، ولا يكون بعد ، لأن الله تعالى لم يقدرهم ، ولا يقدرهم عليه .
وبين المذهبين فرق بين ، وعليهما جميعاً ، فتَتْركُ العرب الإتيان بما في مقدورهم ، أو ما هو من جنس مقدورهم ، ورضاهم بالبلاء والجلاء ، والسباء والإذلال ، وتغيير الحال ، وسلب النفوس والأموال ، والتقريع والتوبيخ ، والتعجيز والتهديد والوعيد أبين آية