-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 172
للعجز عن الإتيان بمثله ، والنكول عن معارضتهوأنهم منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم .
وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي الجويني وغيره ، قال: وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسها ، كقلب العصا حيةً ونحوها ، فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بداراً أن ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزية معرفة في ذلك الفن ، وفضل علم إلى أن يرد ذلك صحيح النظر .
وأما التحدي للخلائق مئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا ، فلم يبق بعد توفر الدواعي على المعارضة ثم عدمها إلا منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي: آيتي أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه ، وارتفاع الزمانة عنهم ، فكان ذلك ، وعجزهم الله تعالى عن القيام لكان ذلك من أبهر آية ، وأظهر دلالة . و بالله التوفيق .
وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء ، حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب ، وذكاء ألبابها ، ووفور عقولها ، وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم ، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم ، وغيرهم من القبط و بني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل ، بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم ، وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم ، وعبدوا المسيح مع أجماعهم على صلبه ، (مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء157) ، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ، ومع هذا فقالوا (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)(البقرة: 55) ولم يصبروا على المن والسلوى ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .
والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع ، وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى .ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدليل عقله و صفاء لبِّه .ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته ، وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته ، فآمنوا به ، وازدادوا كل يوم إيماناً ، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته ، وهجروا ديارهم وأموالهم ، وقتلوا آباءهموأبناءهم في نصرته ، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ، ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق ، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها .وبالله أستعين وهو حسبي ، ونعم الوكيل
القسم الثاني