-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 256
فإن قلت: فما معنى قول موسى عليه السلام وقد سئل: أي الناس أعلم ؟ فقال: أنا أعلم ، فعتب الله عليه ذلك ، إذ يرد العلم إليه الحديث ، و فيه قال: بل عبدٌ لنا بمجمع البحرين أعلمُ منك .
وهذا خبر قد أنبأنا الله أنه ليس كذلك .
فاعلم أنه قد وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصحيحة ، عن ابن عباس: هل تعلم أحداً أعلم منك ؟ .
فإذا كان جوابه على علمه فهو خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة .
وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده ، كما لو صرح به ، لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك ، فيكون إخباره بذلك أيضاً عن اعتقاده وحسب انه صدقاً لا خلف فيه .
وقد يريد بقوله: أنا أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة من علوم التوحيد ، وأمور الشريعة ، وسياسة الأمة ، ويكون الخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا بإعلام الله من علوم غيبه ، كالقصص المذكورة في خبرهما ، فكان موسى عليه السلام أعلم على الجملة بما تقدم . وهذا أعلم على الخصوص بما أُعلِم .
ويدل عليه قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) (الكهف: 65) .
وعتب الله ذلك عليه فيما قاله العلماء إنكار هذا القول عليه ، لأنه لم يرد العلم إليه ، كما قالت الملائكة: (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا) (البقرة: 32) ، أو لأنه لم يرض قوله شرعاً ، وذلك والله أعلم لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ كماله في تزكية نفسه وعلو درجته من أمته ، فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه ، ويورثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى ، وإن نزه عن هذه الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله ، فالتحفظ أولى لنفسه ، وليقتدى به ، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم تحفظاً من مثل هذا مما قد أعلم به: أنا سيد ولد آدم ولا فخر .
وهذا الحديث إحدى حجج القائلين بنبوة الخضر ، لقوله فيه: أنا أعلم من موسى . ولا يكون الولي أعلم من النبي . وأما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف .
وبقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (الكهف: 82) ، فدل أنه بوحي . ومن قال: إنه ليس بنبي قال: يحتمل أن يكون فعله بأمر نبي آخر . وهذا يضعف ، لأنه ما علمنا أنه كان في زمن موسى نبي غيره إلا أخاه هارون ، وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئاً يعول عليه .
وإذا جعلنا = أعلم منك = ليس على العموم ، وإنما هو على الخصوص ، وفي قضايا معينة لم يحتج إلى إثبات نبوة الخضر ، ولهذا قال بعض الشيوخ: كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله ، والخضر أعلم فيما رفع إليه من موسى . وقال آخر: إنما أُلجيء موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم .
الفصل التاسع
في عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات
وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ، ولا يخرج من جملتها القول باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام والاعتماد بالقلب فيما عدا التوحيد ، وما قدمناه من معارفه المختصة به فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات .ومستند الجمهور