-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 258
وذهب طائفة أخرى إلى الوقف ، وقالوا: العقل لا يحيل وقوعها منهم ، ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين .
وذهبت طائفة أخرى من المحققيين و المتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ، قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك ، وقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة ، وأنه إنما سمي منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ، ومخالفة الباري في أمر كان يجب كونه كبيرة .
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر ، ولا يكون لها حكم مع ذلك بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شيء . والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى ، وهو قول القاضي أبي بكر وجماعةأئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء .
قال القاضي رحمه الله: وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها ، إذ يلحقها ذلك بالكبائر ، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة ، وأسقطت المروءة ، وأوجبت الازراء والخساسة ، فهذا أيضاً مما يعصم عنه الأنبياء إجماعاً ، لأن مثل هذا يحط منصبه المتسم به ، ويزري بصاحبه ، وينفر القلوب عنه ، والأنبياء منزهون عن ذلك بل يلحق بهذا ما كان من قبل المباح ، فأدى إلى مثله ، لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر .
وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعه المكروه قصداً .
وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم ، واتباع آثارهم وسيرهم مطلقاً .
وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة ، بل مطلقاً عند بعضهم ، وإن اختلفوا في حكم ذلك .
وحكى ابن خويز منذاذوأبو الفرج ، عن مالك ، التزام ذلك وجوباً ، وهو قول الأبهري وابن القصاروأكثر أصحابنا .
وقول أكثر أهل العراق وابن سريج والإصطخري ، وابن خيران من الشافعية .
وأثر الشافعية على أن ذلك ندب .
وذهب طائفة إلى الإباحة .
وقيد بعضهم الاتباع فيما كان من الأمور الدينية و علم به مقصد القربة .
و من قال بالإباحة في أفعاله لم يقيد . قال: فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم ، إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصدهمن القربة أو الإباحة ، أو الخطر ، أو المعصية . ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية ، لا سيما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا.
ونزيد هذا حجة بأن نقول: من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل ، و أنه متى رأى شيئاً فسكت عنه صلى الله عليه وآله وسلم دل على جوازه ، فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ، ثم يجوز وقوعه منه في نفسه .
وعلى هذا المأخذتجب عصمتهم من مواقعه المكروه ، كما قيل . وإذ الحظر أو الندب على الاقتداء بفعله ينافي الزجر والنهي عن فعل المكروه .
وأيضاً فقد علم من دين الصحابة قطعاً الاقتداء بأفعال النبي