-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 264
فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة ، منها: أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقاتوقد يندر منه غير ذلك ، كما يندر منة غيره خلاف عادته .
ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث نفسه: إن الله قبض أرواحنا .
وقول بلال فيه: ما ألقيت علي نومه مثلها قط ، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم ، وتأسيس سُنة ، وإظهار شرع ، كما قال في الحديث الآخر: لو شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم .
الثاني أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه ، لما روي أنه كان محروساً ، وأنه كان ينام حتى ينفخ ، وحتى يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوصأ .
وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوءه عند قيامه من النوم ، فيه نومه مع أهله ، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامسته الأهل أو لحدث آخر ، فكيف وفي آخر الحديث نفسه: ثم نام حتى سمعت غطيطه ، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ .
وقيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم ، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينه عن رؤية الشمس . وليس هذا من فعل القلب ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله قبض أرواحنا و لو شاء لردها إلينا في حين غير هذا .
فإن قيل: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: اِكْلَأْ لنا الصبح .
فقيل في الجواب: إنه كان من شأنه صلى الله عليه وآله وسلم التغليس بالصبح ، ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه ، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح ، فوكل بلالاً بمراعاة أوله ليعلمه بذلك ، كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته .
فإن قيل: فما معنى نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن القول: نسيت ، و قد قال صلى الله عليه وآله وسلم: إني أنسى كما تنسون ، فإذا نسيتفذكروني .... وقال: لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أنسيتها .
فاعلم أكرمك الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ ، أما نهيه عن أن يقال نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ حفظه من القرآن ، أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه ، ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت . وما كان من سهو أو غفلة منقبله تذكرها صلح أن يقال فيه: أنسى .
وقد قيل: إن هذه منه صلى الله عليه وآله وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه ، والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه ، وإسقاطه صلى الله عليه وآله وسلم لما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه ، وتوصيله إلى عباده ، ثم يستذكرها من أمته ، أو من قبل نفسه ، إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره .
وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما هذا سبيله كرَّة ، و يجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظماً ، ولا يخلط حكماً ، مما لا يدخل خللاً في الخبر ، ثم يذكره إياه و