Muhammad.com collection in 109 languages

  • Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 276

وهذا يوسف عليه السلام قد أوخذ بقوله لأحد صاحبي السجن: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف: 42)
قيل: أُنسِي يوسفُ ذكرَ الله .
وقيل: أُنسي صاحبُه أن يذكره لسيده الملك ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لولا كلمة يوسف مالبث في السجن ما لبث .
قال ابن دينار: لما قال ذلك يوسف قيل له: اتخذت من دوني وكيلا ، لأطيلن حبسك . فقال: يارب ، أنسى قلبي كثرة البلوى .
وقال بعضهم: يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر ، لمكانتهم عنده ، ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب .
وقد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه: إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان ، وما ذكرته ، وحالهم أرفع فحالهم إذًا في هذا أسوأ حالاً من غيرهم .
فاعلم أكرمك الله أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم ، بل نقول: إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ، ويبتلون بذلك ، ليكون استشعارهم له سبباً لمَنْماة رُتبهم ، كما قال تعالىفي آدم عليه السلام: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه: 122) .
وقال في داود عليه السلام: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (ص: 25) .
قال بعد قول موسى: (تبت إليك): (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف: 144) .
وقال بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *) (ص 36- 40)
و قال بعض المتكلمين: زلات الأنبياء في الظاهر زلات ، وفي الحقيقة كرامات وزُلَف ، وأشار إلى نحو مما قدمناه .
- وأيضاً فلينبه غيرهم من البشر منهم ، أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ، فيستشعروا الحذر ، ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ، ويعدوا الصبر على المحن بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم ، فكيف بمن سواهم ، ولهذا قال صالح المري: ذكر داود بسطة للتوابين .
قال ابن عطاء: لم يكن ما نص الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له ، ولكن استزادة من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم .وأيضاً فيقال لهم: فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر .
ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر ، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا ، فما معنى المؤاخذة بها إذاً عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها ، وهي مغفورة لو كانت ؟
فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأعمال السهو والتأويل .
وقد قيل: إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوبته ، وغيره من الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية ، والاعتراف بالتقصير ، شكراً لله على نعمه ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم وقد أمِن من المؤاخذة مما تقدم وتأخر:أفلا أكون عبداً شكوراً [صحيح].وقال: إني أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتقي[صحيح].
قال الحارث بن أسد: خوف الملائكة