-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 121
فالنبوة في لغة من همز مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، وقد لا تهمز على هذا التأويل تسهيلاً
والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه ، وأعلمه أنه نب يه ، فيكون نبي منبأ فعيل بمعنى مفعول ، أو يكون مخبراً عما بعثه الله تعالى به ، ومنبئاً بما أطلعه الله عليه فعيل بمعنى فاعل ، ويكون عند من لم يهمزه من النبوة ، وهو ما ارتفع من الأرض ، ومعناه أن له رتبة شريفة ، ومكانة نبيهة عند مولاه منيفةفالوصفان في حقه مؤتلفان . وأما الرسول فهو المرسل ، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادراً . وإرساله أمر الله بالإبلاغ إلى من أرسله إليه ، واشتقاقه من التتابع ، ومنه قولهم: جاء الناس أرسالاً ، إذا اتبع بعضهم بعضاً ، فكأنه ألزم تكرير التبليغ ، أو ألزمت الأمة اتباعه .
واختلف العلماء: هل النبي والرسول بمعنى ، أو بمعنيين ؟ فقيل: هما سواء ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام ، واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج: 52) ، فقد أثبت لهما معاً الإرسال ، قال: و لا يكون النبي إلا رسولاً ولا الرسول إلانبياً .
و قيل: هما مفترقان من وجه ، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك ، وحوز درجتها ، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول ، وهو الأمر بالإنذاروالإعلام كما قلنا . وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الإسمين ، ولو كانا شيئاً واحداً لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ ، قالوا: و المعنى: ما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي ليس بمرسل إلى أحد .
و قد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدإ ، ومن لم يأت به نبي غير رسول ، وإن أمر بالإبلاغ والإنذار . والصحيح ، والذي عليه الجماء الغفير ، أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولاً .
وأول الرسل آدم ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: إن الأنبياء مائة ألف وأربعةوعشرون ألف نبي . وذكر أن الرسل ، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم آدم عليه السلام .
فقد بان لك معنى النبوة والرسالة ، وليستا عند المحققين ذاتاً للنبي ، ولا وصف ذات ، خلافاً للكرامية ، وفي تطويل لهم ، وتهويل ، ليس عليه تعويل .
وأما الوحي فأصله الإسراع ، فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بِعَجَل سمي وحياً ، وسميت أنواع الإلهامات وحياً ، تشبيهاً بالوحي إلى النبي ، وسمي الخط وحياً ، لسرعة حركة يد كاتبه ، ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ومنه قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً)(مريم: 11) ، أي أومأ ورمز . و قيل: كتب ، و منه قولهم: الوحا ، الوحا ، أي السرعة .
وقيل أصل الوحي السر ولإخفاء ، ومنه سمي الإلهام وحياً ، ومنه: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ، أي يوسوسون في صدروهم ، ومنه قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) (القصص: 7) ، أي ألقي في قلبها .