-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 234
أمَرَهم اللهُ به على لسان نبي آخر فقال له يونس: غيري أقولى عليه مني فعزم عليه فخرج لذلك مغاضباََ ..وقد رُوي عن ابن عباس أن إرسال يونس ونبوته إنما كان بعد أن نبذه الحوت واستدل من الآية بقوله تعالى: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات 145- 147) ويستدل بقوله تعالى:(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم48).وذكر القصة ثم قال:(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القلم 50). فتكون هذه القصة إذاً قبل نبوَّته .
فإن قيل فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله كل يوم مائة مرة . وفي طريق آخر: في اليوم أكثر من سبعين مرة[صحيح].؟ فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريباَ وقع في قلبه صلى الله عليه وآله وسلم ، بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب أو يغطيه ، قاله أبو عبيد ، وأصله من غيت السماءوهو إطباق الغيم عليها..وقال غيره: الغين شيء يغشي القلبولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس ، وكذلك لا يُفهم منالحديث أنه يُغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين في اليوم إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه.وهو اكثر الروايات وإنما هذا عدد للإستعفار لا للغين فيكون المراد بهذا الغين إشارة غلافات قلبه وفترات نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان دفع إليه من مقاساة البشر في سياسة الأمة ومعاناة الأهلومقاومة الولي والعدو ومصلحة التفس ، وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة وهو صلى الله عليه وآله وسلم في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه: ولكن لما كان أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة وأتمهم به معرفةوكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همه وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ومقامه هنالك أرفع حاليه رأى صلى الله عليه وآله وسلم حال فترته عنها وشغلهبسواهاغضاًمن عليِّ حاله وخفظاً من رفيع مقامه فاستغفر الله من ذلك: هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس وحام حوله فقارب ولم يرد وقد قررنا غامض معناه وكشفنا للمستفيد مُحيَّاهوهومبني على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي ..وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوفة ممن قالبتنْزيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا جملة وأجله أن يُجوِّز عليه في حال سهو أو فترة إلىأن معنى الحديث ما يهم خاطره ويغم فكره من أمر أمته صلى الله عليه وآله وسلم لإهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم فيستغفر لهم .. قالوا وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة تتغشاه لقوله تعالى: (فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُعَلَيْهِ) (التوبة: 40) ويكون استغفارهعندها إظهاراََ للعبودية والإفتقار..
قال ابن عطاء: استغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الإستغفار..وقال غيره: ويستشعرون الحذر ولا يركنون إلى الأمن ..وقد يحتمل أن تكون هذه الإعانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكراً لله وملازمة لعبوديتهكما قال في ملازمة العبادة: أفلا أكون عبداً شكوراً[صحيح]..وعلى هذه الوجوه يحمل ما رُوي في بعض طُرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليُغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة فأستغفر الله ...فإن قلت