-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 239
هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوءة علماً ويقيناً على الجملة وأنها قد احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شيء فوقه ...ومن طالع الأخبار واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه وجده ، وقد قدمنا منه في حق نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في الباب الرابع أول قسم من هذا الكتابما ينبِّه على ما وراءه إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف؛ فأما ما تعلق منها بأمور الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اتقادها على خلاف ما هي عليه ولا وَصْمَ عليهم فيه إذ هِمَمُهم متعلقة بالآخرة وأنبائها وأمور الشريعة وقوانينها ؛ وأمور الدنيا تضادها بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم: 7) كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال إنهم لا يعلمون شيئاً من أمور الدنيا فإن ذلك يؤدي إلى الغفلة والبله ، وهم المنزهون عن ذلك؛ بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا وقُلِّدوا سيايتهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم ؛ وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية ، وأحوال الأنبياء وسيَرهم في هذا الباب معلومة ومعرفتهم بذلك كله مشهورة ؛وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا العلم به ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله فهو ما لا يصح الشك منه فيه على ما قدمناه فكيف الجهل ؟..بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعلذلك باجتهاده في ما لم ينزل عليه فيه شيء على القول بتجويز وقوع الإجتهاد منه في ذلك على قول المحققين وعلى مقتضى حديث أم سلمة الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم:إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء... خرجه التقات ؛ وكقصة أسرى بدر والإذن للمتخلفين على رأي بعضهم فلا يكون أيضاً لا يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقاً وصحيحاً؛ هذا هو الحق الذي لا يُلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الإجتهاد لا على القول بتصويب المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا ، ولا على القول الآخر بأن الحق في طرف واحد لعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخطإ في الإجتهاد في الشرعيات ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ونظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجتهاده إنما هو في ما لم ينزل عليه فيه شيء ولم يشرع له قبل ، هذا فيماعقد عليه النبي قلبه ؛ فاما ما لم يعقد عليه قلبه من أمور النوازل الشرعية فقد كان لا يعلم منها أوّلاً إلا ما علمه الله شيئاً شيئاًحتى استقر علم جملتهاعنده صلى الله عليه وآله وسلم إما بوحي من الله أو إذْنٍ أن يُشرِّع في ذلك ويحكُم بما أراه الله وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الوحي في كثير منها ولكنه لم يمُت صلى الله عليه وآله وسلم حتى استفرغ علم جميعها عنده وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع الشك والريبوانتفاء الجهل ؛وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الذيأُمِر صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إليه إذ لا تصح دعوته إلى ما لا