-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 254
ووجه ثاني: أن قوله: ولم أنس راجع إلى السلام ، أي إني سلمت قصداً ، وسهوت عن العدد ، أي لم أسه في نفس السلام ، وهذا محتمل ، وفيه بعد .
ووجه ثالث وهو أبعدهما ما ذهب إليه بعضهم ، وإن احتمله اللفظ من قوله: كل ذلك لم يكن: أي لم يجتمع القصر والنسيان ، بل كان أحدهما . ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ما قصرت الصلاة و ما نسيت .
هذا ما رأيت فيه لأئمتنا ، وكل من هذه الوجوه محتمل للفظ على بعد بعضها وتعسف الآخر منها .
- قال القاضي أبو الفضل رحمه الله: و الذي أقول ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لم أنس إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه ، وأنكره على غيره بقوله: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا و كذا ، و لكنه نُسي .
فلما قال له السائل: أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ أنكر قصرها كما كان ، ونسيانه هو من قبل نفسه ، وإنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسي حتى سأل غيره ، فتحقق أنه نسي ، وأجرى عليه ذلكليسن ، فقوله على هذا: لم أنس ولم تقتصر ، و كل ذلك لم يكن صدق وحق ، لم تقصر ، ولم ينس حقيقة ، ولكنه نسي .
ووجه آخر استثَرْته من كلام بعض المشايخ ، وذلك أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسهو ولا ينسى ، ولذلك نفى عن نفسه النسيان ، قال: لأن النسيان غفلة وآفة ، والسهو إنما هو شغل بال ، قال: فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها ، وكان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلاً بها لا غفلة عنها .
فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن في قوله: ما قصرت ولا نسيت خلف في قول .
وعندي أن قوله: ما قصرت الصلاة وما نسيت بمعنى الترك الذي هو أحد وجهي النسيان ، أراد و الله أعلم أني لم أسلم من ركعتين تاركاً لإكمال الصلاة ، ولكني نسيت ، ولم يكن من تلقاء نفسي .
وأما قصة كلمات إبراهيم المذكورة في الحديث أنها كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان: قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: 89) . وقوله: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ*قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء: 62- 63) . وقوله للملِك عن زوجته: إنها أختي .
فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب ، لا في القصد ولا في غيره ، وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب .
أما قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) فقال الحسن وغيره: معناه سأسقم ، أي إن كل مخلوق معرض لذلك ، فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا .وقيل: بل سقيم بما قدر علي من الموت .
وقيل: سقيم القلب بما أشاهده من كفركم وعنادكم .
وقيل: بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم ، فلما رآه اعتذر بعادته .
وكل هذا ليس فيه كذب ، بل هو خبر صحيح صدق .
وقيل: بل عرض بسقم حجته عليهم