-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 262
وهذه الحالة زيادة له في التبليغ وتمام عليه في النعمة بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن ؛فإن القاءلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين ؛وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم يفعله ليُتَّبَع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما كُلِّفه صلى الله عليه وآله وسلم من مقاساة الخلق وسياسات الأمة ومعاناة الأهل وملاحظة الأعداء ، ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الإتصال بل على سبيل الندور كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه ليغان على قلبي فأستعفر الله[صحيح] ، وليس في هذا شيء يحُط من رتبته ويناقص معجزته ..
وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وآله وسلم جملةوهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم في هذه الأحاديث مذاهب نذكرها بعد إن شاء الله..
الفصل الثاني عشر
في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وآله وسلم
وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه السهو عليه صلى الله عليه وآله وسلم وما يمتنع ، وأحلناه في الأخبار جملة ، وفي الأقوال الدينية قطعاً ، وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه ، وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ، ونحن نبسط القول فيه ونقول: الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث:
أولها: حديث ذي اليدين في السلام من اثنتين .
الثاني:حديث ابن بحينة في القيام من اثنتين .
الثالث:حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر خمساً .
وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه ، وحكمة الله فيه ليستن به ، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول ، وأرفع للاحتمال ، وشرطه ألا يقر على السهو ، بل يشعر به ليرتفع الالتباس ، وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه ، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وآله وسلم غير مضاد للمعجزة ، ولا قادح في التصديق ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني . [صحيح]
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: رحم الله فلاناً ، لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أُسقطهن و يروى: أُنسيهتن .
وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى ، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة ، قال: و النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزه عنها ، والسهو شغل ، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسهو في صلاته ، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلاً بها لا غفلة عنها .
وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه ، وقالوا: إن سهوه صلى الله عليه وآله وسلم كان عمداً وقصداً ليَسُنَّ .
وهذا قول مرغوب عنه ، متناقض المقاصد ، لا يُحلى منه بطائل ،