Muhammad.com collection in 109 languages

  • Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 274

قال أصحاب المعاني: والشق هو الجسد الذي ألقى على كرسيه حين عرض عليه ، وهي عقوبته ومحنته
وقيل بل مات فألقي على كرسيه ميتاً . وقيل: ذنبه حرصه على ذلك و تمنيه . وقيل: لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص ، وغلب عليه من التمني . وقيل: عقوبته أن سلب ملكه ، وذنبه أن احب بقلبه أن يكون الحق لأختانه على خصمهم . وقيل: أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه . ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به ، وتسلطه على ملكه تعالى وتصرفه في أمته بالجور في حكمه ، لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا ، وقد عصم الانبياء من مثله.
وإن سئل: لم لم يقل سليمان في القصة المذكورة: إن شاء الله فعنه أجوبة:
أحدها: ما روي في الحديث الصحيح أنه نسى أن يقولها ، وذلك لينفذ مراد الله تعالى .
والثاني: أنه لم يسمع صاحبه و شغل عنه .
وقوله: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص: 35) . لم يفعل هذا سليمان غيرةً على الدنيا ولا نفاسة بها ، ولكن مقصده في ذلك على ما ذكره المفسرون ألا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدة امتحانه على قول من قال ذلك . وقيل: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختص بها كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله بخواص منه .
وقيل: ليكون ذلك دليلاً وحجة على نبوته ، كإلانة الحديد لأبيه ، وإحياء الموتى لعيسى ، واختصاص محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشفاعة ، ونحو هذا .
- وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر ، وإنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللفظ ، لقوله تعالى:(وَأَهْلَكَ) (هود: 40) فطلب مقتضى هذا اللفظ ، وأراد علم ما طوي عليه من ذلك ، لا أنه شك في وعد الله تعالى ، فبين اللهُ عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح وقد أعلمه أنه مُغرِق الذين ظلموا ، ونهاه عن مخاطبته فيهم ، فووخِذ بهذا التأويل ، وعتب عليه ، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه ، وكان نوح فيما حكاه النقاش لا يعلم بكفر ابنه .وقيل في الآية غير هذا ، وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرنا من تأويله وإقدامه بالسؤال فيما لم يؤْذن له فيه ، ولا نُهِيَ عنه .
وما روي في الصحيح من أن نبياً قرصته نملة فحرق قرية النمل ، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ... فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية ، بل فعل ما رآه مصلحةوصواباً بقتل من يؤذي جنسه ، ويمنع المنفعة مما أباح الله .
ألا ترى أن هذا النبي كان نازلاً تحت الشجرة ، فلما آذته النملة تحول برجله عنها مخافة تكرار الأذى عليه وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب معصية ، بل ندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي ، كما قال تعالى: (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) (النحل: 126) ، إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته ، فكان انتقاماً لنفسه ، وقطع مضرة يتوقعها من