-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 285
وقد قال سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر ، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله ، وإنما كانت خواطر وتخيلات .
وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه: كان يتخيل الشيء أنه فعله ، وما فعله ، لكنه تخييل لا يعتقد صحته ، فتكون اعتقاداته كلها على السداد ، وأقواله على الصحة .
هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى كلامهم ، وزدناه بياناً من تلويحاتهم .
فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه ، لا على قلبهواعتقاده وعقله ، وأنه إنما أثر في بصره ، وحبسه عن وطء نسائه ، وطعامه ، وأضعف جسمه وأمرضهويكون معنى قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن ، أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء ، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر ، فلم يقدر على إتيانهن ، كما يعتري من أخذ واعترض .
ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر . ويكون قول عائشة في الرواية الآخرى: إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله ، من باب ما اختل من بصره ، كما ذكر في الحديث ، فيظن أنه رأى شخصاً من بعض أزواجه ، أو شاهد فعلاً من غيره ، ولم يكن على ما يحيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره ، لا لشيء طرأ عليه في ميزه .
وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابته السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبساً ولا يجد به الملحد المعترض أنساً .
الفصل الثالث
في أحواله صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدنيا
هذه حاله في جسمه ، فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على أسلوبنا المتقدم بالعقد والقول والفعل:
- أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه ، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع ، كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد سماعاً وقراءة ، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر ، قال: حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد بن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبد الله بن الرومي ، وعباس العنبري ، وأحمد المعقري ، قالوا: حدثنا النضر بن محمد ، قال: حدثني عكرمة ، حدثنا أبو النجاشي ، قال: حدثنا رافع بن خديج ، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، فقال: ما تصنعون ؟ قالوا: كنا نصنعه . قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً ، فتركوه ، فنقصت ، فذكروا ذلك له ، فقال: إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر .
وفي رواية أنس: أنتم أعلم بأمر دنياكم .
وفي حديث آخر: إنما ظننت ظناً ، فلا تؤاخذوني بالظن .
وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما