-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 288
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب ، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه صلى الله عليه وآله وسلم في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة ، كتوريَّته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو جذره .وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته ، وتأكيداً في تحببهم ومسرة نفوسهم ، كقوله: لأحملنك على ابن الناقة.
وهذا كله صدق ، لأن كلَّ جملٍ ابنُ ناقة ، وكلَّ إنسانٍ بعينه بياض وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً .
هذا كله فيما بابه الخبر ، فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي في الأمور الدنيوية فلا يصح منه أيضاً ، ولا يجوز عليه أن يأمر أحداً بشيء أو ينهي أحداً عن شيء وهو يبطن خلافه .
فإن قلت: فما معنى إذاً قوله تعالى في قصة زيد رضي الله عنه: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (الأحزاب: 37)
فاعلم أكرمك الله ، ولا تَسْتَرِب في تنزيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الظاهر
وأن يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها ، كما ذكر عن جماعة من المفسرين .
وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين أن الله تعالى كان أعلم نبيَّه أن زينب رضي الله عنهاستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) . وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج بعد تطليق زيد لها .
وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، قال: نزل جبريل على النبي يُعْلِمُه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي أخفى في نفسه ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب37) ، أي لا بُد لكأن تتزوجها .
ويوضح هذا أن الله لم يُبْدِ من أمره معها غير زواجه لها ، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وآله وسلم مما كان أعلمه به تعالى .
وقوله تعالى في القصة: (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً) (الأحزاب: 38) فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر .
- قال الطبري: ما كان الله ليُؤثِّم نبيَّه فيما أحل مثال فعله لمن قبله من الرسل ، قال الله تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا) (الأحزاب: 38- 62) ، أي من النبيين فيما أحل لهم ، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أعجبته ، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج ، وما لا يليق به من مدِّ عينيه لما نُهِيَ عنه من زهرة الحياة الدنيا ، ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء ، فكيف سيد الأنبياء ؟ .
قال القشيري: وهذا إقدام عظيم من قائله ، وقِلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبفضله . وكيف يقال: