-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 292
حدثنا أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، قال: حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا مسلم بن حجاج ، حدثنا قتيبة ، حدثنا ليت ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن سالم مولى النصريين ، قال: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اللهم إنما محمد بشر ، يغضب كما يغضب البشر ، وإني قداتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها كفارةً له ، وقربةً تقربُه بها إليك يوم القيامة .
وفي رواية: فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه دعوة .
وفي رواية: ليس لها بأهل .
وفي رواية: فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلْها له زكاةً وصلاةً ورحمةً .
وكيف يصح أن يلعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لا يستحق اللعن ، ويسب من لا يستحق السب ، ويجلد من لا يستحق الجلد ، أو يفعل مثل ذلك عند الغضب ، وهو معصوم عن هذا كله ؟ .
فاعلم شرح الله صدرك أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم أولاً: ليس لها بأهل ، أي عندك يا رب ، في باطن أمره ، فإن حكمه صلى الله عليه وآله وسلم على الظاهر ، كما قال: وللحكمة التي ذكرناها ، فحكم صلى الله عليه وآله وسلم بجلده ، أو أدبه بسبه أو لعنه بما افتضاه عنده حال ظاهره ، ثم دعا صلى الله عليه وآله وسلم لشفقته على أمته ، ورأفته ورحمته له مؤمنين ، التي وصفه الله بها ، وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا عليه دعوة أن يجعل دعاءَه ولعنَه له رحمة ، فهو معنى قوله: ليس لها بأهل ، لا أنه صلى الله عليه وآله وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضَّجر لأن يفعل مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم .
وهذا معنى صحيح ، ولا يفهم من قوله: أغضب كما يغضب البشر أن الغضب حمله على ما لا يجب فعله ، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه ، وأنه مما كان يحتمل ويجوز عفوه عنه ، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه .
وقد يحمل على أنه خرج مخرج الإشفاق و تعليم أمته الخوف و الحذر من تعدي حدود الله تعالى .
وقد يحمل ما ورد من دعائه هنا ، و من دعواته على غير واحد في غير موطن ، على غير العقدوالقصد ، بل بما جرت به عادة العرب ، وليس المراد بها الإجابة ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: تربت يمينك . ولا أشبع ا لله بطنك .وعقري حلقي . وغيرها من دعواته .
وقد ورد في صفته في غير حديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن فحاشاً .
وقال أنس لم يكن سباباً ، ولا فاحشاً ، ولا لعاناً ، وكان يقول لأحدنا عند المعتبة ، ماله .. ترب جبينه ! .
فيكون حمل الحديث على هذا المعنى ، ثم أشفق صلى الله عليه وآله وسلم من موافقة أمثالها إجابة ، فعاهد ربه ، كما قال في الحديث ، أن يجعل ذلك للمقول زكاة ورحمة وقربة .
وقد يكون ذلك إشفاقاً على المدعو