-
Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 293
عليه ، وتأنيساً له ، لئلا يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و تقبل دعائه ، ما يحمله على اليأس والقنوط .
وقد يكون ذلك سؤالاً منه لربه لمن جلده ، أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك له كفارةً لما أصابه ، وتمحيةً لما اجترم ، وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران ، كما جاء في الحديث الآخر: ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة .
فإن قلت: فما معنى حديث الزبير وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين تخاصمه مع الأنصاري في شِراج الحرة: اسق يا زبير حتى يبلغ الكعبين . فقال له الأنصاري: إن كان ابن عمتك يا رسول الله ! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال: اسق يازبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر . . الحديث .
فالجواب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ، و لكنه صلى الله عليه وآله وسلم ندب الزبير أولاً إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح ، فلما لم يرض بذلك الآخر ، ولجَّ وقال ما لا يجب استوفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزبير حقه .
ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث: باب . إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم . وذكر في آخر الحديث: فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ للزبير حقه .
وقدجعل المسلمون هذا الحديث أصلاً في قضيته .
وفيه الاقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه ، وأنه وإن نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان ، فإنه في حكمه في حال الغضب والرضا سواء لكونه فيهما معصوماً . وغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه ، كما جاء في الحديث .
الفصل الثامن
في أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيوية
وأما أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيوية فحكمه فيها من تَوَقّي المعاصي والمكروهات ما قد قدمناه ، ومن جواز السهو والغلط في بعضها ما ذكرناه .
وكله غير قادح في النبوة ، بل إن هذا فيها على الندور ، إذ عامة أفعاله على السداد والصواب ، بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرَب على ما بينا إذ كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورتة ، وما يقيم رمق جسمه ، وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ، ويقيم شريعته ، ويسوس أمته ، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه ، أو بريوسعه ، أوكلام حسن يقوله أو يسمعه ، أو تألف شارد ، أو قهر معاند ، أو مداراة حاسد ، وكل هذا لاحق بصالح أعماله ، متتظم في زاكي وظائف عباداته ، وقدكان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الاحوال ، ويعد للأمور أشباهها ، فيركب في تصرفه لما قرب الحمار ، وفي أسفاره الراحلة ، ويركب البغلة في معارك الحرب دليلاً على الثبات ، ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابه الصارخ .
وكذلك في لباسه