Muhammad.com collection in 109 languages

  • Sahih-Shefa-Sirah-Qadi-Iyad, page : 294

و سائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته .
وكذلك يفعل الفعل في أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيراً منهكما يترك الفعل لهذا ، وقد يرى فعله خيراً منه وقديفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحدوجهيْه ، كخروجه من المدينة لاحد ، وكان مذهبه التحصن بها ، وتركه قتل المنافقين ، وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ، ورعاية للمؤمنين من قرابتهم ، وكراهة لأن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، كما جاء في الحديث ، وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغييرها ، وحذراً من نفار قلوبهم لذلك ، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله ، فقال لعائشة في الحديث الصحيح: لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم .
ويفعل الفعل ثم يتركه ، لكون غيره خيراً منه ، كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش ، وقوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي .
وبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه . ويصبر للجاهل ، ويقول: إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره . ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه . ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته ، ويتسمت في ملئه ، حتى لا يبدو شيء من أطرافه ، وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير ، ويتحدث مع جلسائه بحديث أولهم ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويضحك مما يضحكون منه ، قد وسع الناس بشره وعدله ، لا يستفزه الغضب ، ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه .
فإن قلت: فما معنى قوله لعائشة رضي الله عنها في الداخل عليه: بئس ابن العشيرة . فلما دخل ألان له القول وضحك معه ، فلما خرج سألته عن ذلك ، فقال: إن من شرالناس من اتقاه الناس لشره .
وكيف جاز أن يظهر لهما خلاف ما يبطن ، ويقول في ظهره ما قال ؟
فالجواب أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم كان استئلافاً لمثله ، وتطييباً لنفسه ، ليتمكن إيمانه ، ويدخل في الإسلام بسبب أتباعه ، ويراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام . ومثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حد مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية . وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستألفهم بأموال الله العريضة فكيف بالكلمة اللينة ؟ .
قال صفوان: لقد أعطاني وهو أبغض الخلقإلي ، فما زال يعطيني حتى صار أحب الخلق إلي .
وقوله فيه: بئس ابن العشيرة هو غير غيبة ، بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم ليحذر حاله ، ويحترز منه ، ولا يوثق بجانبه كل الثقة ولا سيما وكان مطاعاً متبوعاً .
ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة لم يكن بغيبة ، بل كان جائزاً ، بل واجباً في بعض الأحيان كعادة المحدثين في تجريح الرواة والمزكين في الشهود .
فإن قيل: فما معنى المفضل الوارد في حديث بريرة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة ، وقد أخبرته أن موالي بريرة أبَوْا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اشتريها واشترطي لهم الولاء .ففعلت ، ثم قام خطيباً ، فقال: ما بال أقوام يشترطون